جلال الدين السيوطي
427
الإتقان في علوم القرآن
بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] ، فلا بدّ وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كلّ قوم ، وإن كان أصله بلغة قومه هو . وقد رأيت الخويّي ذكر لوقوع المعرّب في القرآن فائدة أخرى فقال : إن قيل : إنّ وَإِسْتَبْرَقٍ * ليس بعربيّ ، وغير العربي من الألفاظ دون العربيّ في الفصاحة والبلاغة ؟ فنقول : لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك ، وذلك لأنّ اللّه تعالى إذا حثّ عباده على الطاعة ، فإن لم يرغبهم بالوعد الجميل ويخوّفهم بالعذاب الوبيل لا يكون حثّه على وجه الحكمة ، فالوعد والوعيد نظرا إلى الفصاحة واجب . ثم إنّ الوعد بما يرغب فيه العقلاء ، وذلك منحصر في أمور : الأماكن الطيبة ، ثم المآكل الشهيّة ، ثم المشارب الهنيّة ، ثم الملابس الرفيعة ، ثم المناكح اللذيذة ، ثم ما بعده ممّا يختلف فيه الطباع ، فإذن ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح ، ولو تركه لقال من أمر بالعبادة ووعد عليها بالأكل والشرب : إنّ الأكل والشرب لا ألتذّ به إذا كنت في حبس أو موضع كريه ، فإذن ذكر اللّه الجنّة ومساكن طيبة فيها ، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها ، وأرفع الملابس في الدّنيا الحرير ، وأما الذهب فليس ممّا ينسج منه ثوب . ثم إنّ الثوب الذي من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن والثقل ، وربّما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن ، وأمّا الحرير : فكلّما كان ثوبه أثقل كان أرفع ؛ فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثخن ، ولا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحثّ والدعاء . ثم هذا الواجب الذّكر : إما أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح ، أو لا يذكر بمثل هذا ؛ ولا شكّ أنّ الذّكر باللفظ الواحد الصريح أولى ؛ لأنه أوجز وأظهر في الإفادة ؛ وذلك إِسْتَبْرَقٍ * فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه ؛ لأنّ ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة ، ولا يجد العربيّ لفظا واحدا يدلّ عليه ؛ لأنّ الثّياب من الحرير عرفها العرب من الفرس ، ولم يكن لهم بها عهد ، ولا وضع في اللغة العربية للدّيباج الثخين اسم ، وإنما عرّبوا ما سمعوا من العجم واستغنوا به عن الوضع ، لقلّة وجوده عندهم وندرة تلفّظهم به . وأما إن ذكره بلفظين فأكثر : فإنه يكون قد أخلّ بالبلاغة ؛ لأنّ ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ تطويل ، فعلم بهذا أن لفظ إِسْتَبْرَقٍ * يجب على كلّ فصيح أن يتكلّم به في موضعه ، ولا يجد ما يقوم مقامه ، وأيّ فصاحة أبلغ من ألا يوجد غيره مثله ! . انتهى . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام « 1 » ، بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن
--> ( 1 ) ونقله في الصاحبي 1 / 6 ، وانظر المعرب للجواليقي ص 52 .